Connect with us

اقتصاد

هل من مفعول رجعي لقانون السرّية المصرفية؟

Published

on

إذا كانت القاعدة الأساس تقوم على «عدم رجعيّة مفاعيل القوانين»، غير أن هذه القاعدة، وفق علم القانون والاجتهاد الدستوري الفرنسي، تحتمل استثناءات (exceptions) وتليينات (tempéraments) متعدّدة، ويعود للمشترع إقرارها، من دون أن تشكل مخالفة لقاعدة دستورية أو لمبدأ، ذي قيمة دستورية.

كما في حال القوانين التفسيرية (lois interprétatives) وقوانين المصادقة على أوضاع قانونية ناشئة (lois de validation)، والقوانين الجزائية الألطف (lois pénales plus douces)، والقوانين الناطقة بذاتها بالمفعول الرجعي (lois expressément rétroactives)، وغيرها.

ضمن هذا الإطار العام، هل يمكن أن يكون للقانون رقم 306 / 2022 مفعولاً رجعياً والمادة الخامسة (5) منه تقول:
«يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية « (أي منذ 3/11/2022).
3 – في الواقع، إن القانون المذكور هو تعديلي للقانون الأساسي الصادر بتاريخ 3/9/1956 والذي أقرّ قاعدة السرّية المصرفية بقوله:
– «تخضع لسرّ المهنة المصارف المؤسسة في لبنان على شكل شركات مغفلة والمصارف التي هي فروع لشركات أجنبية…»
«وإن مديري ومستخدمي المصارف المُشار إليها في المادة الأولى وكلّ من له إطلاع بحكم صفته أو وظيفته بأية طريقة كانت على قيود الدفاتر والمعاملات والمراسلات المصرفية يُلزمون بكتمان السرّ إطلاقاً لمصلحة زبائن هذه المصارف ولا يجوز لهم إفشاء ما يعرفونه عن أسماء الزبائن وأموالهم والأمور المتعلّقة بهم لأي شخص فرداً كان أم سلطة عامة إدارية أو عسكرية أو قضائية، إلاّ إذا أذن لهم بذلك خطيّاً صاحب الشأن أو ورثته أو الموصى لهم أو إذا أُعلن إفلاسه أو إذا نشأت دعوى تتعلّق بمعاملة مصرفية بين المصارف وزبائنها».

وقد جاء القانون التعديلي المشار إليه ليؤكّد على القاعدة ذاتها بقوله حرفياً:
– «تخضع لسرّ المهنة المصارف المؤسسة في لبنان على شكل شركات مغفلة والمصارف التي هي فروع لشركات أجنبية».

أ – إنّ مديري ومستخدمي المصارف المشار إليها في المادة الأولى وكل من له اطلاع بحكم صفته أو وظيفته بأية طريقة كانت على قيود الدفاتر والمعاملات والمراسلات المصرفية يلزمون بكتمان السرّ لمصلحة زبائن هذه المصارف ولا يجوز لهم إفشاء ما يعرفونه عن أسماء الزبائن وأموالهم والأمور المتعلّقة بهم لأي شخص فرداً كان أم سلطة عامة إدارية أو عسكرية أو قضائية، إلاّ إذا أذن لهم بذلك خطيّاً صاحب الشأن أو ورثته أو الموصى لهم أو إذا أُعلن إفلاسه أو إذا نشأت دعوى تتعلّق بمعاملة مصرفية بين المصارف وزبائنها، أو وفقاً للإستثناءات المنصوص عليها في المادة السابعة من هذا القانون».

فجاءت النبذة الأخيرة من الفقرة (أ) من المادة الثانية (2) أعلاه المتعلّقة بالإستثناءات لتنصّ على حالات إضافية التي تُلزم فيها المصارف برفع السرّية المصرفية عن عملائها.

غير أنّ الفقرة (ب) من ذات المادة الثانية (2) أعلاه حدّدت بدورها الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين لا يستفيدون من أحكام السرّية المصرفية بمعرض تعاملاتهم مع المصارف. وهم:
– الموظف العمومي… والأزواج والأولاد القاصرون، والأشخاص المستعارون، و/أو المؤتمنون و/أو الأوصياء، و/أو صاحب الحق الإقتصادي».
– رؤساء الجمعيات والهيئات الإدارية التي تتعاطى نشاطاً سياسياً، وهيئات المجتمع المدني…»

– رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المصارف ومدراؤها التنفيذيين ومدقّقو الحسابات الحاليين والسابقين…».

الملاحظ أن الغاية من هذا التعديل في التشريع هي تتبُّع حسابات وحركة أموال كل هؤلاء الأشخاص الذين باتوا لا يتمتّعون بالسرّية المصرفية. فيما كانوا يتمتّعون بها كسواهم من زبائن هذه المصارف قبل إقرار القانون التعديلي المشار إليه. وإن رفع السرّية عنهم إنما يقع بصفتهم مشمولين بأحكام كلّ من القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 وتعديلاته (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب)، والقانون رقم 189 تاريخ 16 تشرين الأول 2020 (قانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع)، والقانون رقم 175 تاريخ 8 أيار 2020 (قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد)».
كما إن تحديد هؤلاء الأشخاص في الزمن الذين لم يعد يستفيدون من أحكام السرّية المصرفية هم الذين «تولّوا سابقاً أيّاً من المسؤوليات الواردة في النبذات 1 و2 و3 من الفقرة (ب) من المادة الثانية (2) من القانون 306 / 2022، منذ 23 أيلول 1988 ولغاية تاريخه بمن فيهم من أُحيلوا على التقاعد أو أصبحوا خارج الخدمة…» بحيث إن تتبُّع حركة أموال وحسابات هؤلاء الأشخاص لدى المصارف لم تعد محميّة بالسرّية المصرفية. وإن ملاحقتهم بأي من هذه القوانين الثلاثة أضحت جائزة وغير مشوبة بعائق السرّية المصرفية.

ضمن هذا الإطار للقانون 306 / 2022 الذي يرمي الى تتبُّع حركة حسابات وأموال الأشخاص الذين رُفِعَت عنهم السرّية المصرفية والمحدّدين بالفقرة (ب) من المادة الثانية (2) من ذلك القانون، لكونهم من فئة المشمولين بأحكام القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015 وتعديلاته، والقانون رقم 189 تاريخ 16 تشرين الأول 2020، والقانون رقم 175 تاريخ 8 أيار 2020، فإنه لا يمكن أن يكون للقانون المذكور مفعولاً آنياً (effet immédiat) بل مفعول رجعي (effet rétroactif).
على اعتبار أن هوية الأفراد المشمولين برفع السرّية المصرفية عنهم والآماد التي يعود إليها تولّيهم لمهامهم ووظائفهم هي التي تحكم أن يكون للقانون التعديلي المذكور مفعول رجعيّ.

لو كان للقانون المشار اليه مفعولاً آنياً صرفاً لما نصّ المشترع على النبذة الأخيرة من الفقرة (ب) من المادة الثانية (2) منه، التي قالت بالتالي:
«تبقى مفاعيل الفقرة (ب) سارية على المذكورين فيها حتى بعد تاريخ إستقالتهم أو إنهاء خدماتهم أو إحالتهم على التقاعد، وذلك عن طيلة الفترة التي كانوا يتولّون فيها مهامهم أعلاه ولمدة خمس سنوات إضافية بعدها. كما تسري على كلّ من تولّى سابقاً أيّاً من المسؤوليات الواردة فيها في 23 أيلول 1988 ولغاية تاريخه، بمن فيهم من أحيلوا على التقاعد أو أصبحوا خارج الخدمة. (…)».

في أي حال، إن القواعد الوضعية التي يقرّها المشترع والتي تكون رَمت الى رفع السرّية المصرفية عن بعض الأشخاص (أكانوا طبيعيين أو معنويين) تسهيلاً لتتبُّع حركة حساباتهم وأموالهم لدى المصارف وتعاملاتهم معها بهدف التمكّن من ملاحقتهم، عند الإقتضاء، لاكتسابهم أموالاً غير مشروعة، إنما تفترض بطبيعتها وغايتها ان يكون لها مفعول رجعي. لأنه لو أُعطيت مفعولاً آنياً صرفاً لأمكن هؤلاء الأشخاص الذين رُفعت عنهم السرية المصرفية أن يتبرّؤوا من أية ملاحقة عن الأموال غير المشروعة التي يكونون قد اكتسبوها قبل صدور قانون رفع السرّية المصرفية عنهم.
كما ان القانون التعديلي الذي يقرّ برفع السرّية المصرفية في حدّ ذاتها، في حالات محدّدة وبالنسبة لأفراد معيّنين، إنما لا يتناول في موضوعه أوضاعاً قانونية (situations juridiques) مستقرّة أو تُعتبر مستقرّة، حتى يُعطى مفعولاً آنياً.
ذلك أن كل قانون جديد، ومن حيث المبدأ، له مفعول آني وليس رجعياً. بمعنى أنه لا يسعه أن يعدّل في الأوضاع التي أضحت مستقرّة.

أما القانون التعديلي رقم 306 / 2022 الذي قضى برفع السرّية المصرفية عن فئة من الأشخاص المشمولين بقوانين «مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والإثراء غير «المشروع، ومكافحة الفساد في القطاع العام، «فإنه يكون، بفعل أحكامه ومندرجاته وغاية وضعه التي عبّر عنها المشرّع بإقراره له، ذو مفعول رجعي لزوماً. بالدليل الإضافي المستمدّ من أسبابه الموجبة:

«تعزيز إجراءات ووسائل مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، تعزيز إجراءات ووسائل مكافحة الفساد، وتعزيز الإمتثال الضريبي والحدّ من التهرّب».

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقتصاد

تراجع الأسواق الأوروبية مع ترقب توجهات المركزي الأمريكي بشأن الفائدة

Published

on

تراجعت الأسهم الأوروبية خلال تعاملات الخميس، مع زيادة توقعات المستثمرين بأن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي قد يرفع أسعار الفائدة لاحقا هذا العام.

وهذا بعدما أظهر صناع السياسة النقدية موقفا أكثر تشددا، رغم أن انخفاض أسعار النفط ساعد جزئيا على تخفيف ضغوط التضخم.

وأغلق مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي منخفضا 0.3%، ومنهياً سلسلة مكاسب استمرت خمسة أيام. وتباين أداء الأسواق، حيث ارتفعت أسهم فرنسا وألمانيا، بينما تراجعت أسهم إيطاليا وإسبانيا. كما هبط مؤشر “فاينانشال تايمز 100 ” البريطاني بنسبة 1% متأثرا بخسائر أسهم شركات الطاقة والرعاية الصحية.

وأبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75%، موضحا أن رفعها لا يزال مبكرا بسبب حالة عدم اليقين بشأن التضخم.

وتراجعت أسهم شركات النفط والغاز الأوروبية 1.5% مع انخفاض أسعار الخام إلى أدنى مستوياتها منذ بداية التداول عقب اندلاع الحرب على إيران، وبعد إعلان التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أنهى الاضطرابات التي أثرت على إمدادات الطاقة. وساهم الاتفاق في دعم أسهم السفر والترفيه التي ارتفعت 0.8%، لكن تأثيره بقي محدودا بسبب الغموض حول توجهات السياسة النقدية.

وفي الولايات المتحدة، أبقى مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة ثابتة، إلا أن تسعة أعضاء توقعوا رفعا واحدا للفائدة هذا العام. كما ألغى المجلس الإرشادات المتعلقة بمسار الفائدة مستقبلا، في خطوة أثارت تساؤلات حول توجهاته المقبلة.

كما شهد قطاع السيارات خسائر ملحوظة، إذ تراجعت أسهم “مرسيدس-بنز” و”فولكس فاجن” و”ستيلانتيس” بين 2.8% و4.6%، بينما انخفض سهم “بي إم دبليو” 4% بعد تحذير بشأن الأرباح.

وضغط خفض شركة “أكسنتشر” توقعاتها السنوية على قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات، فتراجع سهم “كابجيميني” 8.9% إلى أدنى مستوى في ست سنوات، وانخفضت أسهم شركات أخرى بالقطاع.

في المقابل، ارتفع سهم “إيدن رد” 17.2% بعد تأكيد تلقي الشركة عروض اهتمام من صناديق استثمارية، عقب تقارير عن احتمال استحواذ شركة “بي سي بارتنرز” عليها.

Continue Reading

اقتصاد

الذهب يتجه نحو ثالث خسارة أسبوعية

Published

on

تتجه أسعار الذهب نحو التراجع للأسبوع الثالث على التوالي، بعدما انخفضت في تعاملات اليوم الجمعة في ظل قوة ​الدولار.

كذلك ضغط على الدولار إشارات إلى ميل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) إلى تشديد السياسة ‌النقدية، ما شكل ضغطا على المعدن النفيس المقوم بالعملة الأمريكية.

وبحلول الساعة 10:25 بتوقيت موسكو، انخفضت العقود الآجلة للذهب لشهر أغسطس المقبل بنسبة 1.71% إلى 4173.3 دولار للأونصة.

فيما تراجعت العقود الفورية للمعدن الأصفر بنسبة 1.35% إلى 4153.10 دولار للأونصة، مسجلا أدنى مستوى منذ 11 يونيو 2026، وخسر الذهب في المعاملات الفورية 3.8% ​حتى الآن هذا الأسبوع.

وارتفع الدولار إلى أعلى مستوى ​له في عام، مما يزيد من تكلفة الذهب المسعر بالعملة الأمريكية بالنسبة لحائزي ​العملات الأخرى.

وقال كبير محللي السوق في “كيه سي إم تريد” تيم ووترر إن “صعود الذهب مدفوعا باتفاق إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كان قصير المدى، مضيفا أن قوة الدولار، بدعم من نبرة تميل لتشديد ​السياسة النقدية من مجلس الاحتياطي الاتحادي في الآونة الأخيرة، سرعان ما طغت على ​المشهد”.

ويرى تسعة من صانعي السياسات في البنك المركزي الأمريكي، وعددهم 19 شخصا، أنهم قد يحتاجون ‌إلى ⁠رفع سعر الفائدة خلال العام الجاري.

Continue Reading

اقتصاد

النفط يجدد صعوده.. وخام “برنت” يتجاوز 80 دولارا للبرميل

Published

on

عادت أسعار النفط إلى الارتفاع مجددا متجاوزة حاجز 80 دولارا للبرميل في ظل حالة عدم اليقين الجديدة تجاه التسوية في الشرق الأوسط.

وبحلول الساعة 09:35 بتوقيت موسكو، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي “غرب تكساس الوسيط” لشهر يوليو المقبل بنسبة 1.55% إلى 77.79 دولار للبرميل.

فيما صعدت العقود الآجلة للخام العالمي مزيج “برنت” لشهر أغسطس المقبل بنسبة 0.65% إلى 80.37 دولار للبرميل.

وألغى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، عشية التوقيع على مذكرة التفاهم مع إيران، إقلاع طائرته لحضور الاجتماع الذي كان مقررا اليوم الجمعة في سويسرا. وأرجع البيت الأبيض هذا القرار إلى “اللوجستيات المعقدة وغير المتوقعة” للمفاوضات، معربا عن أمله في الإسراع بتوقيع الاتفاق.

غير أن موقع “أكسيوس” كشف أن السبب الحقيقي وراء إلغاء فانس للسفر يعود إلى موقف إيران، حيث أكدت طهران استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، معتبرة أن ذلك يشكل خرقا لبنود المذكرة المتفق عليها.

Continue Reading

exclusive

arArabic